حياه مشوهة في محراب الأستاذ عبد العظيم
![]() |
| حياه مشوهة في محراب الأستاذ عبد العظيم |
لم تكن عزيزة طفلة، كانت "مشروعاً لسمعة عائلية". نشأت في شقة بحي قديم، حيث يسيطر اللون البني والخشب الثقيل وصوت المذياع الذي لا يتوقف عن التلاوة. والدها، الأستاذ عبد العظيم، كان رجلاً يرى في الأنوثة "فتنة نائمة" يجب وأدها قبل أن تستيقظ.
حياه مشوهة في محراب الأستاذ عبد العظيم
كانت عزيزة، حتى في سن الثانية عشرة، تُحاسب على طريقة جلوسها. "ضُمي قدميكِ"، "لا تضحكي بصوت مسموع"، "المرأة صمت وستر". لم يلمسها والدها يوماً بحنان، كانت لمساته الوحيدة هي صفعات خاطفة إذا لمح "خصلة شعر" فلتت من طرحتها، أو إذا رآها تطيل النظر في المرآة. هذا الجفاف العاطفي خلق في داخلها فجوة هائلة؛ فراغاً في المعدة يشبه الجوع، لكنه لم يكن جوعاً للطعام، بل جوعاً لأن تُرى كإنسانة، كلحم ودم، لا كخطيئة محتملة.
الجامعة والهروب بالدخان (منطق الانحراف)
عندما دخلت كلية الإعلام، كان ذلك أول "احتكاك" لها بالعالم الخارجي دون رقابة مباشرة. كانت تمشي في الممرات كشبح رمادي وسط ألوان زملائها. هناك، بدأت نوبات القلق تهاجمها؛ شعور بالخنقة كلما فكرت في العودة للبيت.
في السنة الثالثة، وخلال تدريب ميداني في "استوديو" خارجي، تعرفت على ليلى. ليلى كانت النقيض التام؛ ابنة فنانين، تعيش حياتها بلا قيود. في ليلة شتاء، كانت عزيزة تبكي من الرعب لأن المطر عطل المواصلات وستتأخر عن موعد "حظر التجوال" الذي فرضه والدها. أخذتها ليلى إلى غرفتها، وأشعلت لفافة حشيش.
* المنطق النفسي: عزيزة لم تكن تبحث عن "السكر"، كانت تبحث عن "المسكن". مع أول "نَفَس"، شعرت عزيزة بشيء غريب: الخوف لم يختفِ، لكنه توقف عن إيلامها. أصبح صوت والدها في ذهنها كأنه صوت قادم من بئر سحيقة، ضعيفاً ولا حول له. اكتشفت أن هذا المخدر هو "العازل" الذي سيحميها من جحيم عبد العظيم. هكذا بدأ الإدمان؛ ليس كحب في المادة، بل ككراهية للواقع.
صفقة حسام (السجن ذو الرائحة الباردة)
تقدم حسام. مهندس طموح، من عائلة "مستورة"، وملتزم بالقدر الذي يرضي غرور الأستاذ عبد العظيم. عزيزة، في لحظة يأس، ظنت أن حسام سيكون "المُخلص". وافقت عليه وهي تحلم بغرفة نوم خاصة، بباب يُغلق عليها، وبحقها في أن تكون امرأة.
لكن الصدمة كانت في فترة الخطوبة. في جلسة بدت كأنها محاكمة هادئة، قال حسام ببرود مهني:
> "عزيزة، أنتِ جوهرة، والجوهرة لا تُعرض للمارة. أنا أريد زوجة منقبة، لا يرى ملامحها إلا أنا. هذا هو طريقي، فهل تقبلين؟"
وافقت عزيزة. كانت تظن أن "النقاب" ثمن رخيص مقابل الهروب من سلطة والدها. لم تدرك أنها استبدلت سجاناً بمراقب، وزنزانة واسعة بزنزانة ضيقة من القماش الأسود.
ليالي النقاب والشراهة المكبوتة
بعد الزواج، اكتشفت عزيزة الحقيقة المرة: حسام كان "موظفاً" حتى في فراشه. كان يدخل الغرفة، يطلب منها خلع النقاب والملابس في ظلام دامس (لأن "الحياء" برأيه يقتضي ذلك)، يمارس معها علاقة ميكانيكية تخلو من أي همس أو لمس حقيقي، ينتهي في دقائق، ثم ينصرف للنوم وهو يشعر أنه "أدى واجبه الشرعي".
هذا البرود كان القشة التي قصمت ظهرها. شعرت عزيزة بإهانة لانوثتها أشد من صفعات والدها. من هنا ولدت "الشراهة":
* الشراهة الجسدية: بما أن حسام لا يروي عطشها، وبما أن جسدها "مخفي" تماماً عن العالم بالنقاب، بدأت تتولد لديها رغبة عارمة في أن تُكتشف، في أن تصرخ، في أن يلمسها غريب يراها "أنثى" لا مجرد "واجب".
* شراهة الحشيش: أصبح الحشيش هو طقسها الليلي المقدس. بعد أن ينام حسام، تتسلل للمطبخ، تضع قطعة الحشيش في سيجارة عادية، وتدخنها وهي تنظر لنفسها في مرآة المطبخ الصغيرة. كانت ترى وجهها تحت ضوء الشفاط الخافت، وتضحك بمرارة: "أنا المختبئة خلف الأسود، أنا الحرة خلف الدخان".
الموظفة "عزيزة" (الاحتراف في التزييف)
الآن، عزيزة في الأربعين. وصلت لمنصب إداري جيد في قطاع الإعلام. هي المرأة التي يضرب بها الجميع المثل:
* تصل في الثامنة تماماً بنقابها المكوي بعناية.
* تتحدث بصوت منخفض جداً، ولا ترفع عينها في وجه زملائها الرجال.
* مكتبها مرتب، وأوراقها كاملة.
لكن خلف هذا الستار:
عزيزة تمتلك "شنطة" صغيرة مخفية في بطانة حقيبتها تحتوي على قطرة عين (لتبييض الاحمرار)، وعطر فرنسي نفاذ (لقتل رائحة الحشيش)، وهاتف صغير بـ "شفرة" لا يعرفها حسام.
عزيزة تعيش الآن حالة من الافتراس النفسي. هي تجوع لكل شيء؛ تجوع للحياة التي سرقها عبد العظيم، وللأنوثة التي وأدها حسام تحت النقاب. أصبحت "شرهة" لأنها تدرك أن العمر يمر، وأنها إذا لم تلتهم ما تبقى من حياتها الآن، ستموت وهي مجرد "لفافة سوداء" لم يلمس لبّها أحد.

تعليقات